مقالات
أخر الأخبار

خيبة الأمل في القائمين على الشأن العام

إن المتتبع والمهتم بالشأن الموريتاني  يدرك وبدون عناء كبير أن بلدنا وصل إلى طريق مسدود:

مسدود أمام أبناء الوطن ممن لا وساطة لهم في الحصول على وظيفة أو تعيين مهما تكن كفاءاتهم ومهما يكن مستواهم العلمي أو خبراتهم؛

مسدود أمام الطلاب من أجل مواصلة تعليمهم بحجج واهية لا تنطلي إلا على معتل أو مختل؛

مسدود أمام الموظف الملتزم فليس لهذا الموظف المغلوب على أمره إلا التهميش والاقصاء مالم يشارك في الفساد والإفساد والسير مع تيار الظلم الذي لا يعطي اهتماما لأي موظف إلا إذا تأكد لعصابة النهب ولاءه التام للأسياده المفسدين؛

مسدود أمام المعلم فليس للمعلم في هذا البلد إلا الهم والغم وضعف الراتب والنظر إليه بإزدراء تارة والتهديد والوعيد تارة أخرى.

إن التعليم هو الرهان الوحيد الذي لا بناء ولا سكينة ولا نجاح لأي بلد إلا إذا جعله أولوية أولوياته؛

مسدود أمام معارضي النظام فليس لهم إلا التخوين والاستفزاز  ولو كانت معارضتهم بناءة وشريفة،

وهنا لا أقصد المعارضة التقليدية كما يحلوا للبعض تسميتها بهذا الشكل والتي اتضح وبدون أدنى شك أنها كانت تعارض شخص الرئيس السابق رغم فساده وسوء إدارته.

هذه المعارضة ممثلة في رموزها المعروفين لم تعارض يوما من أجل المواطن بل كانت ومازالت تعارض من أجل مصالحها الضيقة فكان لهذا النظام الفضل في كشفهم للشعب عن طريق التعينات لأبناء بعض رموزها فكممت أفواههم وصار  البلد بقدرة قادر خال من الفساد، بلد العدل والحرية والإنصاف؛

مسدود أمام الأطباء و ما يتعلق بظروف عملهم وتزويد المستشفيات بكل ما يلزم من أجل القيام بعملهم ومهمتهم النبيلة وكذالك الجانب المتعلق بالإكتتابهم فبلدنا يحتاج إلى أضعاف من يتم ضمهم لقطاع الصحة

، مسدود أمام حصول المواطن على حقه في خيرات بلده من حديد، من ذهب، من نفط، من سمك الخ من الخيرات الكثيرة التي تتزخر بها بلادنا، بدلا من   ظلمه و تهميشه

مسدود أمام المصلحين فلا يكاد يصدر قرار من مصلح في هذا البلد وما أقلهم إلا وحورب  وأطيح به من قبل عصابة الفساد التي تتحكم في هذا البلد منذ عشرات السنين؛

مسدود أمام الخيرين حتى صاروا مغيبين تماما فلا يعتد برأيهم ولو كان صوابا؛

مسدود أمام المواطنيين في تكافؤ الفرص بينهم .

إلى كل المظلومين والمهمشين والمسحوقين، إلى الفقير الذي لا يجد قوت يومه في بلد لا تعد ولا تحصى خيراته.

إليكم أنتم من ضحيتم بالغالي والنفيس من أجل حصولكم على شهادات عليا وخبرات نادرة تنفعكم في خدمة بلدكم وبناء أنفسكم في خضم هذه الحياة المليئة بالمتناقضات وفي ظل هذه الأنظمة التي لا تحسن إلا تدوير المفسدين.

أعرف مدى خيبة أملكم جميعا في الحكومات المتعاقبة عليكم

أعرف أيضا خيبة أمل بعض الذين انتخبوا الرئيس الحالي أملا منهم في تغيير واقعهم  المرير الذي لولا فساد حكوماتنا ما وصل بلدنا إلى ماوصل إليه من فساد على كافة الأصعدة،ولما تخبط شبابنا الدارسون المتميزون في ليل البطالة والغبن.

أعرف كم هو مؤسف أن يتحكم فيكم الجهلة، أن يتحكم فيكم من هو أقل منكم خبرة، من هو أدنى منكم شهادة وكفاءة.

أعرف كم هو مؤلم أن يتحكم فيكم المفسد المعلوم الفساد “والله يعلم المفسد من المصلح” صدق الله العظيم.

أعرف كم هو مؤسف ونحن ندرك حجم الظلم والتهميش الممارس علينا من حفنة من العسكريين الفاسدين وبعض المتملقين من مدنيين باعوا دينهم وكرامتهم بعرض من الدنيا فصار الواحد منهم ‘كمن هو فاقع عينيه فأصبح لا يضيء له نهار’…

أعرف كم هو صعب ونحن في القرن الواحد والعشرين وأنتم تشاهدون حجم الفساد الذي لا يمكن  التستر عليه  فلا حق للمواطن في التعليم المجاني وذلك للأسباب التي نعرفها جميعا فمن جهة لا توجد مدارس عمومية اليوم بالجودة المطلوبة ومن جهة أخرى غياب تام للمعلمين وإن وجدوا فصعوبة ظروفهم المادية والمعنوية لاتسمح لهم بأداء رسالتهم النبيلة، ويبقى إشكال أعمق من كل ذالك لمن لا يملكون المقومات لتسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة غياب الأمن، فالجرائم والانتهاكات الخطيرة التي يعاني منها أبناء الطبقات الفقيرة ممن لا يملكون  خيارا إلا تدريس أبنائهم في هذه المدارس العمومية التي كان يفترض فيها أن تكون نموذجا للبناء وللسلم الاجتماعي.

أعرف خيبة أملكم أنتم من عشتم في بلدان تحترم شعوبها وتوفر  كل ما يمكن توفيره لهم في كافة المجالات من بنى تحتية تجسد الحضارة والرقي بأبهى حللها من: قطارات عصرية، و سكك حديدية من أجود ما يكون  ومن “”” ترامواي””, ومن

طرق حديثة تتوفر فيها كل معايير الجودة والسلامة، من جامعات تحتوي على كافة التخصصات تستقبل من تجاوز 25 عاما بكل رحابة صدر، من مستشفيات مزودة بكل ماهو ضروري لحماية الانسان من كافة الامراض والأخطار التي قد يواجهها، لقد تقدمت هذه الدول بعد رسم سياسات واضحة و ناجعة من أبرزها

الاستثمار في العقول والسياحة وذلك لما يرجعان به من نفع على الدول، الاستثمار في الزراعة فلا تكون الدولة مكتفية ذاتيا إلا إذا كانت تأكل مما تنتج، ولم تشهدت الزراعة في موريتانيا رغم المساعدات والهبات السخية من بلدان عديدة على مر عقود من الزمن تطورا ملموسا . وبقيت السوق المحلية رهينة ما يستورد  من منتجات البلدان المجاورة.

يجب  علينا هنا  قول الحقيقة بكل تجرد وصدق: أن هذه الحكومات فشلت أشد الفشل في النهوض بهذا القطاع رغم أهميته للبلد  وخير دليل على ذلك أزمة الخضروات الأخيرة التي عانت منها البلاد بعد غلق معبر الكركارات عدة أيام في الشهور الأخيرة.

إذا كانت بعض الحكومات حول العالم تحترم شعوبها وتقوم بكل ما يمكن القيام به في هذا السبيل بل وتتحمل كامل المسؤولية التي يمليها الواجب والضمير فإن حكوماتنا منذ عقود  تعمل فقط الشخصية على خدمة مصالحها الضيقة المتمثلة في سرقة ونهب المال العام كما أشرنا إليه أعلاه، وهذا ليس كلام من محض الخيال بل هي وقائع وأفعال وملفات فساد كثيرة ولعل خير دليل عليها:

الملفات المطروحة اليوم أمام النيابة والقضاء وأمام الرأي العام المتعلقة بعديد الصفقات المشبوهة.

كم هو صعب أن ترى هؤلاء الجاهلين  الفاسدين ممن تعودوا على سرقة المال العام والتحايل على مقدرات البلد يتقلدون أهم الوظائف وأسماها، هؤلاء المفسدون المتمسكون بعادات بائدة  قائمة على تغييب كل صوت للحق  وكل شعاع للعلم لتكون  النتيجة الحتمية أزمة أخلاقية لا يمكن التنبؤ بما قد يحدث للوطن إذا لم تعالج بكل تجرد وصدق.

ولكن الأصعب  أن كل ذالك حدث ويحدث بمباركة من  السياسيين والمثقفين وبمباركة ممن كان يفترض فيهم أنهم أهل الحل والربط.

إن هذا الواقع المرير، البائس هو نتاج لإستغلال  طيبة شعب لما يفهم بعد أن الخلاص لا يكون إلا  بالتخلص من الفاسدين وإسناد الأمر لأهله وإرجاع الحقوق ومحاسبة كل المشمولين في الفساد.

د. اعل الشيخ الدح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *